الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
128
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وتبين الآية التالية عدم المساواة هذه بصورة أوسع وأكثر تفصيلا ، فتقول : أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى ( 1 ) ثم تضيف الآية بأن هذه الجنات قد أعدها الله تعالى لاستقبالهم في مقابل أعمالهم الصالحة : نزلا بما كانوا يعملون . إن التعبير ب " نزلا " ، والذي يقال عادة للشئ الذي يهيئونه لاستقبال وإكرام الضيف ، إشارة لطيفة إلى أن المؤمنين يستقبلون ويخدمون دائما كما هو حال الضيف ، في حين أن الجهنميين - كما سيأتي في الآية الآتية - كالسجناء الذين يأملون الخروج منها في كل حين ، ثم يعادون فيها ! وما ورد في الآية ( 102 ) من سورة الكهف : إنا اعتدنا جهنم للكافرين نزلا فإنه من قبيل فبشرهم بعذاب أليم وهو كناية عن أنه يعاقب ويعذب هؤلاء بدل إكرامهم ، ويهددون مكان بشارتهم . ويعتقد البعض أن " النزل " أول شئ يستقبل به الضيف الوارد لتوه - كالشاي والعصير في زماننا - وبناء على هذا فإنه إشارة لطيفة إلى أن جنات المأوى بتمام نعمها وبركاتها هي أول ما يستقبل به ضيوف الرحمن ، ثم تتبعها المواهب في بركات أخرى لا يعلمها إلا الله سبحانه . والتعبير ب لهم جنات لعله إشارة إلى أن الله سبحانه لا يعطيهم بساتين الجنة عارية ، بل يملكهم إياها إلى الأبد ، بحيث لا يعكر هدوء فكرهم احتمال زوال هذه النعم مطلقا . وتطرقت الآية التالية إلى النقطة التي تقابل هؤلاء ، فتقول : وأما الذين فسقوا فمأواهم النار فهؤلاء مخلدون في هذا المكان المرعب بحيث أنهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون .
--> 1 - " المأوى " من مادة ( أوى ) بمعنى انضمام شئ إلى شئ آخر ، ثم قيلت للمكان والمسكن والمستقر .